غالب حسن
153
نظرية العلم في القرآن ومدخل جديد للتفسير
لم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ مبلغ الصبيان . الصيام عن الكلام ليس امرا سهلا لان الانسان حيوان متكلم في الدرجة الأولى ، وهذا النذر بطبيعته يكشف عن أن الكلام أشبه بالغريزة بالنسبة للذات الانسانية وانه إحدى مكونات هذه الذات . والصوم عن الكلام مقاومة لنزوع شبه ذاتي اي يقترب من تشييد الذات ، أو يدخل في تشييدها بدرجة وأخرى ، وخاصة بعد ان تتربى وتنشأ عليه . لقد كان كلام عيسى عليه السلام صدمة لامه الصائمة عن الكلام ، وكان صدمة لقومه الأحرار في الكلام . . . ولنا عودة . . [ والكلام ] هنا وكما في الآيات السابقة أصبح محل إشارة كوظيفة وقابلية مكوّن عقيدي ، وعندنا يصير موضوع اعجاز وتحد انما يكون كذلك لكونه قضية جوهرية وليس امرا عابرا في دنيا الانسان . ج - هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ، فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ، قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ ، قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ، قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ، . . . « 1 » . مرة أخرى نلتقي بقصة زكريا وابنه يحيى في سورة آل عمران المدنية النازلة حتما بعد سورة مريم المكية ، ونجد أنفسنا بين يدي إشارات جديدة . ضمنا زيادة في مؤهلات ومواصفات يحيى ، كما أن الصوم عن الكلام قد
--> ( 1 ) آل عمران ، الآيات : 38 - 41 .